Sunday, June 9, 2013

ليلتك "ط ي ن"

ليلتك "ط ي ن"

أمسى و "سواد الليل" فقط هو ما يفصله عن تحقيق حلمه، وطال الليل به عن المعتاد، فقد جافى النوم جفونه من الأرق والترقب.
فبعد سنوات من الادخار والتقطير والتخطيط لتهريب النقود من بين يدى زوجته، والتمويه المتقن حتى لا تعرف حقيقة دخله فتسطو عليه كاملاً .. بعد سنوات طويلة من تلك الألاعيب أخيراً صار قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمه الذى طالما راوده وكان محور طموحاته ومنتهى آماله خلال تلك السنوات التي مرت عليه عجافاً .. وهو امتلاك سيارة جديدة (على الزيرو).
          وخلال فترة تنفيذ خطة التمويه والادخار كان يعد خطة الشراء، وكانت الخطة تنضوى على مفاجأة زوجته الحبيبة التى شاركته دون أن تدرى العناء الشديد للحصول على تلك الجوهرة الثمينة .. وكان دائماً ما يحدث نفسه ويؤكد :
-         أنا مش هاقولها ولا ألمح حتى ... إلا بعد ما أشترى وأركبلها النمر !!!
كان جل دعاءه تلك الليلة وقلبه يتقافز بين ضلوعه:
-          يارب أقدر امسك لسانى وأدارى فرحتى الكام ساعة ايلي فاضلين، يارب ألهمنى القوة والصبر لحد ما أنول مرادي، مراتى صحيح تعبت معايا (بدون أن تدرى) لكن لو عرفت أى لمحة عن موضوع الفلوس ايلى انا محوشها علشان العربية ممكن تنسفها نسف ... أكيد عندها عشرات الخطط البديلة ... صحيح هى "مراتى حبيبتى أم عيالى !" .. لكن لديها قدرة عبقرية على نسف أهدافى وضربها فى مقتل بجدارة ومجهود فردى.
 لم يغمض له جفن، وعندما سمع صوت المؤذن يعلن بزوغ الفجر، قام وتوضأ وتوجه مبتهلاً إلى الله أن يوفقه وينجح خطته ويمتعه بسيارته الحبيبة.
لم ينتبه إلى أنه ما زال على سجادة الصلاة فى حالة ابتهال وتضرع إلا عندما دق جرس المنبه معلناً السابعة صباحاً موعد استيقاظه الطبيعى للذهاب إلى العمل.
مارس طقوسه الصباحية المعتادة وكان على باب الشقة كأنه متوجهاً إلى عمله فى تمام الثامنة .... وقف برهة متأملاً ساعته محدثاً نفسه:
-         الوقت بدري قوي .. معقول يكون فتح ؟ صحيح أنا متفق معاه نتمم الإجراءات بدرى علشان ألحق الشهر العقارى والمرور ... لكن لا أعتقد أنه يكون فتح الساعة 8 ... في جميع الأحوال لازم أنزل دلوقتى علشان ما تشكش فى حاجة!!
ضبطته  متلبساً بالنظر فى الساعة ومحدثاً نفسه !!! وذلك أثناء مرورها فى الطريق إلى الحمام ... ولم تفلت الفرصه كعادتها ... فسألته فى أسلوب أستنكارى مغلظ :
-         خير !!! فيه أيه ؟؟؟ بتبحلق فى الساعة كده ليه ؟؟؟ أكيد فيه حاجة !!! أيه الساعة بتفكرك بحبية القلب ؟ تلاقى اول مرة قابلتها فيها كانت الساعة 8 ..!!
رغم أن صوتها فاجأه وايقظة من نوبة السرحان التى أخذته لكنه قرر أن ينقذ نفسه من دوامة النكد الصباحية  .. فحبيبة قلبه يا ولدى بالفعل تنتظره !
فتح الباب مؤكداً لها أنه النهاردة عنده اجتماعات ومقابلات كثيرة يمكن يتأخر شوية وما يرجعش على ميعاد الغدا وألا تقلق عليه إذا وجدت موبايله مغلق، وقبل أن يتلقى هجمات المدفعية المضادة فتح الباب وألقى بنفسه خارج المنزل.
توجه إلى معرض السيارات مباشرة، وعندما وجده مغلقاً .. وقف يفكر للحظات .. وتوجه إلى البنك أولاً لإحضار النقود وتجهيزها ! نعم .. بالفعل لن تهون عليه بسهولة النقود التى عانى الأمرين فى جمعها، لكن كله يهون من أجل عيون الحلوة (الفول اوبشن).
صرف المبلغ .. هذا ثمن السيارة ... وذلك مبلغ التسجيل والترخيص .. واضعاً كل مبلغ فى ظرف بنظام ودقة، ووضع كل الأظرف فى ظرف كبير كتب عليه مشروع السيارة .. ثم فى شنطة صغيرة ووضعهم كلهم فى الشنطة السمسونيت .. وتوجه مرة أخرى إلى المعرض.
جلس على مقهى قريب حتى يرى أبوابه بمجرد أن يفتح .. وخلال الانتظار جلس يتخيل نفسه وهو يجلس خلف مقودها وعلى فرشها المخملى الذى أختاره لها بعناية فائقة وسوف يقوم بشرائه وتركيبه بمجرد استلامه لها .. وظل متماوجاً مع أحلامه السعيدة حتى لمح الأبواب المغلقة آخذة في الانفتاح ، هرع إليه يلقى تحية الصباح والابتسامة العريضة السعيدة تكسو وجهه.
-         صباح الخير .. المدير هيوصل امتى ؟
-         زمانه جاى .. هو عامل حسابه ييجى بدرى النهاردة مخصوص علشان حضرتك أتفضل أستريح على ما ييجى.
وأثناء انتظاره سرح مرة أخرى مع خيالاته ولكنها أخذته هذه المرة فى اتجاه مخالف، متخيلاً رد فعل "مراته حبيبته أم عياله!" .. هل ستفرح ؟ هل ستطين عيشته ؟ والأسباب كثيرة والتهم جاهزة سلفاً:  التجرؤ على اتخاذ قرار "منفرداً" .. القدرة على التخيل أنه يتمتع برفاهية الاختيار! .. كما يمكن اتهامه بالخداع والخيانة العظمى والعمالة لإسرائيل !
حضر المسؤول وأنقذه من الكابوس الذى كاد يفسد حلمه .. وتمت الاجراءات فى سهولة ويسر لم يتوقعهما .
-         أتفضل أدى الورق ايلى هتروح بيه المرور علشان الترخيص والنمر.
ركب السيارة الجديدة الجميلة (الفول أوبشن) .. غمره احساس لا يوصف بالنشوة والسعادة .. اختياره هو وليس اختيار أى حد تانى .. يكاد يطير من الفرحة فخطته .. تكاد تنجح.
توجه مباشرة إلى المرور .. وتمت الإجراءات بسلاسة مريبة .. وهو الآن فى انتظار استلام النمر .. النمر الجديدة شيك ولائقة على السيارة .. وعندما جاء دوره فى استلام النمر أخذ قلبه يخفق بشدة غير مصدقاً لنفسه .. ونظر للنمر أثناء تسليمها له ..!!
-         أيه ده يا حضرة الصول؟ مش ممكن امشى بعربية مكتوب عليها (م ل ط) أيه النمر المسخرة دى، هأبقى تريقة الناس .. من فضلك غيرهالى يا حضرة الصول.
-         يا أستاذ ما ينفعش خلصنا وراك ناس كتير.
وبعد مناقشة غير ودية ... تشفعت له الورقة النقدية التى نفحها لحضرة الصول حتى يغير له تلك النمرة المسخرة.
-         أدى يا سيدى النمرة التانية ... وسع بقى علشان اشوف ايلى عليه الدور.
-                     مش ممكن .. يا نهار اسود!!
 حاول مرة أخرى مع الصول لكن هذا المرة بدون جدوى .... ووجد نفسه أمام الأمر الواقع ... سيارة جديدة وأسمها (ق ط ة)، وتحولت سعادته إلى حالة من الترقب والتوقع لما ستفعله به "مراته حبيبته" .. واللعنات التى ستصبها على رأسه، ولكن ما زال هناك بصيص من الأمل أن تلهيها السيارة الجميلة فى حد ذاتها عن كل الجرائم التي أرتكبها وأفظعها "النمر" وما تحمله من أشارة.
أثار الاسم  ذكرياته وشجونه .. ولكن الماضي راح لحاله .. والحاضر ربنا يستر فيه ..!!
وحسب الخطة الموضوعة ذهب لشراء بعض الكماليات التى طالما اشتهاها حتى تكون العروس الجميلة فى أبهى حلة .. ولكن ليس بإحساس السعادة الذى كان يتوقع أن يشعر به أثناء قيامه بهذه المهمة.. وتوجه إلى المنزل وكأنما يساق إلى حتفه .. وعقله الذى كان يتباهى به منذ قليل وبقدرته على التخطيط والتنفيذ والتمويه لم يعد يعمل .. لا يمكنه توقع ماذا يمكن ان تفعله معه "مراته حبيبته" وكيف يمكن أن يتعامل مع ردود أفعالها .. للحظة تمنى لو لم يكن قد خطط وخنصر وأشترى هذه العروسة الجميلة أو حتى حلم بها !
تلاعبت به الأفكار السوداوية حتى وجد نفسه واقفاً أمام باب الشقة حائراً .. ايدخل ويتلقى وعده ؟ .. أم يهرب بجلده مع عروسته الجديدة ؟
-         يلا أهى موته ولا أكتر !
دق جرس الباب .. على غير العادة فالدقات متتالية متراقصة .. متظاهراً بالفرح.
فتحت الباب ونظرت إليه فى دهشة ممزوجة بالريبة والشك.
-         خير فيه ايه ؟ البيه ضاربله حجرين ومبسوط شوية ولا ايه ؟
-         يلا غيرى هدومك .. عندى ليكى مفاجأة جميلة !
-         ايه هتاخدنى على المأذون تطلقنى ؟
-         بلاش التشاؤم ده .. يلا بس.
فى خطوات متباطئة تلفها الحيرة والترقب .. وضعت العباية والطرحة .. وناظرة إليه بعين ثاقبة حادة متأملة ملامحة علها تفك شفرة هذا اللغز.
-         على فين ؟ ادينى جهزت .
جذبها من يدها برقة غير معهودة .. وقبل أن تغادر باب العمارة طلب منها أن تغلق عينيها ..
-         ليه ؟ فيه بلاعة مفتوحة فى الشارع عاوز ترمينى فيها ؟ ولا كابل كهربا عريان عاوز تكهربنى بيه؟
-         ليه بس الكلام الوحش ده دا انتى مراتى حبيبتى وأم عيالى.
-         يلا افتحى  عينيكى !
-         ادينى فتحت .. فيه ايه ؟ فين المفاجأة ؟
-         أهى قدامك .. ايه رأيك فى العروسة دى؟
وبعد أن أفلح فى إقناعها بأن هذه السيارة الجديدة هى المفاجأة .. وأنها ليست مزحة .. وبعد أن هدأ روعها .. أخذت تدور حول السيارة تتفقدها وتتفحصها وتتأملها .. تقافز قلبه داعيا الله أن تلهيها الفرحة عن جرائمه وأن يعميها عن النمر .. ولكن هيهات .. لقطتها !!
-         وكمان مسميهالى "ق ط ة" على أسم المحروسة .. ليلتك "ط ي ن"..!!
***
وليد الحداد
أكتوبر 2009


الندم

الـــندم


لسعت الشمس بشرته، واخترق ضوءها الساطع جفونه المغلقة، وأيقظته من سباته العميق، أستيقظ من النوم ليجد نفسه في منتصف اللا مكان، تخيل للوهلة الأولى أنه ما زال في دنيا الأحلام وأنه يعانى من كابوس مرعب، ورويداً رويداً بدأت حواسه تنتبه، وبدأ يستعيد وعيه وإدراكه كاملين .
بدأ يفيق ليجد نفسه ملقى  في أحدى الصحراوات ، أرسل نظره بصعوبة في جميع الاتجاهات لعل عينيه تلتقط أي شيء! إنسان .. حيوان .. نبات .. أو حتى جماد .. لم يرتد إليه بصره بأي شيء.
كاد قلبه يقف من فرط الفزع، ولم يستطع عقله استدعاء أي معلومة تدله على سبب وجوده في هذا المكان القاحل الخالي من أي شكل من أشكال الحياة ، وكأنه خلق الآن فقط ... مثله مثل آدم، الفارق بينهما أن آدم عندما دبت فيه الحياة وجد نفسه في الجنة، أما هو فقد وجد نفسه في أحد أودية الجحيم.
رمال ممتدة ،لا نهائية تحيط به من جميع الجهات، وشمس لاهبة تكاد تذيب رأسه وتشوى لحمه ونورها الباهر يكاد يعمى عينيه، ولا يصل إلى سمعه سوى صفير الرياح والتي تشتد أحياناً فيتحول ذلك الصفير إلى عواء يشبه عواء ضواري جائعة تبحث في دأب عن فريسة.
فجأة وهو غارق في تأمل مفردات هذا الواقع ومحاولة فك شفرته، تقافز قلبه وكاد ينخلع من صدره من شدة الرعب والصدمة أثر صوت يصرخ فيه وكأن الصوت يأتيه من جميع الاتجاهات :
-         "أدخل جوه ممكن يجيلك ضربة شمس وأنت قاعد في الشمس كده" !.
-         "أدخل فين ؟" سائلا نفسه ، ثم أستطرد:
-         "الصوت ده مش غريب عليا !"
صوت منفر، حاد النبرات، أجش، متحشرج، كصلصلة جرس عتيق، ولكنه مألوف !!
ألتفت خلفه ليبحث عن مصدر الصوت ليجد رجلاً أسمر البشرة أشهب الشعر أشعثه، شعيرات لحيته متنافرة متخاصمة لا هو بالحليق ولا هو بالملتحي ، يجلس على مصطبة تظللها تنده خشبية ممتدة من حائط طيني مزدان برسوم ونقوش تدل على أن صاحب هذا البيت القروي المنتصب وسط ذلك المحيط الأزلي من الرمال قد ركب البحر وأمتطى عباب الصحراء في رحلة مقدسة.
-         "أين كان ذلك الكوخ، لقد تفقدت المكان من حولي منذ ثواني ولم يكن ذلك البيت موجوداً، أهو بيت للجان انشقت عنه الأرض في تلك اللحظة ؟"
أفاق من تساؤلاته ليتأمل ذلك العجوز.
الجلباب المحيط بجسد الرجل ليس له معالم ، لم يستطيع أن يحدد حتى لونه، حاول أن يعتصر البقية الباقية من خلايا عقله ليتذكر أي شيء، لا يوجد أي شيء.
-         "أهو جني عفريت أم رجل أدمى ؟ أهو خازن هذا الجحيم ؟"
لم يسعفه عقله رغم أنه يشعر أن ذلك الوجه المخيف مألوف!!!
في خطى متثاقلة توجه إلى ذلك البناء الطيني لعله يظله من تلك الحرارة التي ألهبت جسده، والرجل يرمقه بنظرات تمتزج فيها الدهشة بالاستنكار.
وهتف فيه الرجل بصوته المستفز ممزقاً غشاء الصمت الذي لفهم لبرهة بلهجة آمرة وبصوت جهوري:
-         "باقولك إيه.. أنا عاوز استحمى!"
لم يترك له الفرصة ليبحث في عقله الفارغ عن المعاني الحركية المترجمة لتلك الألفاظ الصوتية حتى لحقه بالأمر الثاني:
-         "شوفلنا حاجة نأكلها، وأعملنا شاي، المرة دى شاي مش المية السخنة ايلى مالهاش لا طعم ولا رائحة أيلى أمك معوداك عليها ! عاوز شاي يعدل دماغي ويعمر الطاسة !"
لم ينتظر الرجل أي رد فعل حتى بادره:
-         "أستنى !!! هتولع نار أزاي يا فالح يا حيلة أمك !!! ما فيش حطب... ما هو سيادتك نايم في الشمس لقرب الظهر وسايب الدنيا تضرب تقلب، خد الحمارة وروح لم شوية حطب !!!"
-         "حطب ؟؟؟؟؟"
-         "كتب ؟؟؟ كتب أيه يا واد ؟؟؟؟؟"
 وأطلق ضحكة رنانة لا تخلو من الاستهزاء.
أدرك لحظتها أن العجوز شبه أصم، وأن تلك الآذان الكبيرة لا تدل إلا على كبر السن وترهل الحواس ومنها حاسة السمع، أضطر أن يستجمع قواه الخائرة ويصرخ فيه:
-         "حطب أيه؟؟ وفين الحمارة أيلي بتقول عليها؟"
-         "بتصرخ كده ليه هو أنا أطرش ؟ الحمارة مربوطة خلف الدار يا مسطول افندى، والحطب هتلاقيه هناك"، مشيراً بأصبعه إلى أحد الكثبان الرملية التي تقع على حدود ما يمكن أن يصل إليه البصر.
بدأ يكره تلك الأصوات اللعينة الآمرة التي تخرج من بين أشداق هذا الرجل، متعجباً من الجرأة التي يأمره بها، منصاعاً إلى تلك الأوامر ، حيث أن طاعتها يوحى بوعود ضمنية بإمكانية الاستظلال داخل البيت الطيني.
أخذ الحمارة وهو في شك من أنها سوف تبقى على قيد الحياة بعد إكمال تلك الرحلة تحت تلك الشمس الحارقة ، وظل يمشى بجوارها مشفقاً عليها من مشقة حمله فيكفيها ما هي فيه ، فهي الأخرى مكرهة على الانصياع لأوامر خازن الجحيم.
 وصل إلى التلة التي كان يشير إليها ذلك الرجل بعد وقت لم يستطيع حسابه،  كما لو أن الزمان قد توقف في هذه البقعة المكانية – أو أن معنى الزمان في هذا الكوكب يختلف عن المعنى الذي تعود على إدراكه. تسلق التلة بمشقة زائدة. كاد ينهار مرات من فرط التعب والحرارة والعطش، ومرات من شدة انحدار التلة وكأنها ترفض أن يتسلقها مبعوث خازن الجحيم، وعندما وصل إلى قمتها ممنياً نفسه بأنه قد قطع نصف الطريق إلى الظل، اجتاحته نيران اليأس مما رأى، فلا شيء وراء هذه التلة سوى بحار الرمال، أين ذلك الحطب الذي تحدث عنه ذلك العجوز الخرف؟ أهو لون جديد من ألوان العذاب ؟ عاد والغضب يأكله، والحقد يملأ قلبه على هذا الرجل.
عندما أقترب من البيت سمع صوت أجش يغنى في انتشاء!!وجده أوقد ناراً وخلع جلبابه المهلهل وجلس في طشت نحاسي مطموس الملامح، يشدو بمواويل تنم عن سعادة غامرة انتشاء شديد، وهو يدلك جسده الأسمر، ويلهو بالماء كما يفعل الصغار !!!
وكأنه ضبطه متلبساً بالتلصص عليه، وهو ينظر إليه في بلاهة ودهشة !!!
-         واقف عندك تنيل أيه ؟؟؟ جبت الحطب ؟؟
-         مالقتش حطب  !
-         مالها الركب ؟؟؟
تذكر أنه شبه أصم ، فاستجمع أنفاسه وملآ رئتيه بالهواء حتى يخرج الصوت قوياً حتى يسمع هذا العجوز الأطرش:
-         بأقولك مالقيتش حطب .
-         يا أخي صحيت الميتين ايلى في الصحراء ! بتصرخ ليه ؟ أنت دايما كده الخيبة راكباك. لو بعتك البحر تجيب مية هتقول مالقتش في البحر مية !! المهم.. خلصنا أنا هاموت من الجوع أعملنا لقمة نأكلها.
أزداد تعجبه من الصيغة الآمرة التي يكلمه بها هذا الرجل ! كما أنه متعجب من نفسه:" لماذا أتقبل أن يأمرني هذا العجوز الخرف بهذه الطريقة. أتراني عبداً خادماً لخازن الجحيم هذا ، وقد أصابني فقدان الذاكرة مما أراه في خدمته من أهوال!!أتراني ولده ؟؟؟؟؟
لم يستطع الوصول إلى إجابة لهذه الأسئلة ولم يسعفه عقله المتعب، لم يشأ أن يجادله ويسأله عن مكان المطبخ أو ماذا يطبخ أو ماذا تعنى كلمة شاي ؟ توجه إلى داخل الكوخ وصوت خازن الجحيم يلاحقه كأنه جرس يرن داخل جمجمته، تارة بالغناء وتارة بأوامر لم يدرك مدلولها. فضّل أن يتجاوز هذا العذاب حتى يجد رشفة ماء يروى بها عطشه...
تجاوز عتبة باب الكوخ ، كأنه عبر من بوابة سحرية إلى عالم آخر. ورغم أن عتمة الكوخ أجهدت عينيه في البداية .. لكنه أحس بأنه قد خرج من حفرة الجحيم إلى معنى آخر من معاني الوجود، من عالم الحرارة والقيظ إلى عالم الظل الرطب، من عالم غير محدد الملامح إلى مكان محدد يبعث على الشعور بالأمان.
الكوخ بسيط مرتب، قليل الأثاث ، التراب يكسو كل شيء ولكنه يكسوه بنظام. أحد الأركان يحتضن سرير، والجانب المقابل به شباك أسفله كنبة بلدى، أما الركن الايمن فيحتضن زير فخارى عتيق، وفى وسط الحجرة منضدة دائرية مغطاة بمفرش ينم على أنه كان في الزمن السحيق مفرش محترم شيك ، ولكنه الآن بالكاد يمكن أن تخمن لونه ونقشته من شدة الاتساخ والبقع التي تغطيه، وفى وسط المنضدة صينية نحاس قديمة متغير لونها، غير منتظمة القاعدة، في وسطها سبرتاية، يعتليها أبريق شاي صاج أزرق نصفه الأسفل يكسوه الهباب ويحيط بالسبرتاية أكواب زجاجية صغيرة بها بقايا شاي لزجة ، و كلما اقترب منها تصدر صوتاً مزعجاً لتصادم الأكواب بعضها ببعض ، برطمان سكر .. برطمان شاي .. برطمان قهوة .. وكنكة تسع لفنجان واحد.
الإضاءة خافته تكاد تكفى للرؤية،الجو رطب، تسيطر عليه رائحة عطن مميزة ونفاذة.
أتجه إلى الزير أزاح غطاءه وأمسك بالكوز الذى كان مسنوداً على الغطاء ومد يده داخل الزير، اعتراه خوف مفاجئ شل يده. تساءل:" ماذا يحتوى هذا الوعاء الفخارى ان شكله يوحى بالشك والريبة ... أيمكن أن يكون سكناً للجان؟ أو وكراً للأفاعي ؟ "
ولكن شدة العطش غلبت مخاوفه، وعندما قرب الكوز من أنفه هاجمت أنفه رائحة عطنة منفرة ككل شيء فى هذا المكان ، ولكنه مضطر لتجاهل الرائحة واللون وكذلك تلك المخلوقات التى تسبح فيه ، فليس هناك بديل أخر وعندما كاد الكوز يلمس شفتيه ليصب الماء فى حلقه الجاف ، أفزعه صوت ذلك الرجل صارخاً فيه:
-         "فين الأكل ؟ فين الشاى؟"
كاد الكوز يقفز من يده من الرعب والصدمة ولكنه تدارك نفسه وتجرع الماء العطن فى فمه دفعة واحدة ليسكّن الألم الناتج عن جفاف حلقه، ثم ملأ الإبريق من الزير، ووضعه على نار السبرتاية الهادئة وأخذ يبحث عن الخبز وما يمكن أن يؤكل. أتاه بصينية عليها بقايا خبز وصحن به قطعة جبن قديمة تسبح فى بركة من المش ترعى فيها ديدان سمينة.
صرخ فيه :
-          "ما ترد على التليفون مش سامع جرس التليفون؟"
جرس التليفون ؟ اهو مصاب بداء الهلاوس بالإضافة إلى ترهل حاسة السمع عنده؟ راعه منظر الرجل وهو متجه صوبه بجسده الهائل وكرشه الذى يسبقه، وهو يمشى مشية غريبة كأنه كسيح، يتعكز على عصا ولكن ليس هناك اى عصا بيديه، مائلا بجسده إلى الأمام، عاضا على شفتيه كما لو أنه يشعر بعض الألم نتيجة حركة قدميه.
تسمر مكانه وغشت كيانه كهرباء الرهبة:"اهو مقدم على قتلى؟ نظر إليه خازن الجحيم نظرة لم يستطع أن يفسر مدلولها ثم أجال نظره فى أركان الكوخ.
 ثم أدار جسمه وعاد ليجلس مكانه على باب الكوخ مرة ثانية.
مجرد اقترابه منه أو تفوهه بأى الفاظ اصبح يرعبه، لا يدرى لماذا سيطرت عليه فكرة ان العجوز قد يقتله لعدم اطاعته اوامره.
خرج من الكوخ وجسده يرتعد من الخوف والجوع والعطش والحرارة والحنق على هذا العجوز وعلى العذاب الذى هو فيه بسببه. جلس ساندا ظهره إلى الحائط الطينى، والقى برأسه بين ركبتيه متأملا حاله ، وفجأة غزت رأسه فكرة شيطانية: "ماذا لو تخلصت منه .. ولكن ألا يملك هذا العجوز سر مكان الماء ؟ كيف لى أن اتخلص منه قبل ان اعرف مكان الماء أو مكان الحطب ؟
التخلص منه أولى !!! ثم يمكن العثور على الماء والحطب وكل مقومات الحياة بدون ازعاج ورعب."
قضى ليلته فى نفس المكان متكورا على نفسه، مستندا إلى الحائط تتقاذفه الأفكار كأنه غريق فى بحر تتلاعب به الأمواج العاتية وتتقاذفه فى كل اتجاه ، أيتخلص منه ؟ عندها سيصير قاتلاً مجرماً ! أأصبر عليه ؟ يمكن أن يقتلنى هو !
غلبه تعبه، فأخذته إغفاءه هي أقرب إلى الإغماءة، ولكن رأسه ما زال يعمل مثل الطاحونة  ،أخذت الفكرة تنمو فى رأسه مسيطرة  على حواسه حتى تشبع بحتمية التخلص منه.
          وأثناء غفوته، خيل إليه أن العجوز قد قرأ أفكاره، فأقبل عليه وقد انتفخت أوداجه، وأحمرت عيناه، وأطبق على رقبته بقوة محاولاً خنقه وإزهاق روحه، فأستيقظ مفزوعاً وهو يلهث يتحسس أثر الأيدي الغليظة التي أعتصرت عنقه.
ومع بزوغ الضوء، تسلل إلى الكوخ باحثا عن سكين، وعندما وجدها نظر إليها فى رعب متشككا فى إمكانية قيامه بهذا، ولكن الفكرة الشيطانية توهجت فى رأسه وتمثل أمامه العذاب الذى أذاقه إياه البارحة وتمثل أمامه ما ينتظره من عذاب فى هذا اليوم أيضا...  قبض على السكين بقوة وغيظ، وراح يبحث عن العجوز.
ليجده منكفئ على وجهه على المصطبة التى اعتاد الجلوس عليها
-         "يا حاج !!!"
-          لم يستجب العجوز ... عاد الرعب مرة ثانية ليتسلل إلى قلبه
رفع صوته منادياً:
-          "يا حاج !!"
لم يجبه !!!
استجمع شجاعته وقوته واقترب منه مناديا بأعلى صوته:
-         "يا حــــــااااااااااااج" .
حاول هزه لإفاقته، فتدحرج العجوز من على المصطبة إلى الأرض مستلقيا على ظهره وعيناه شاخصتان إلى السماء !!!
صرخ فيه مرة أخيرة:
-         "يا حاااااااااااااااااج ."
أدرك لحظتها أن العجوز قد استجاب لرغبته وفارق الحياة موفرا عليه عناء القيام بعمل بطولى قد لا يكون لديه القدرة عليه !!! نظر إليه فى ذهول وكأنه تصور أن ذلك الكائن لا يمكن له أن يموت، وفجأة انخرط فى بكاء مرير.
ظل ينظر اليه يتأمله وهو فى تلك الحالة كثيراً ويبكى كثيرا غير مدرك لسبب بكاءه المرير هذا، وبعد فترة من التأمل ... ماذا يجب أن افعل به وقد زهقت روحه وهمد بدنه ؟؟؟
وبدأ فى الحفر لدفنه، وعندها توهجت الشمس أكثر وكأنها قد قررت أن تشارك فى الانتقام للعجوز؛ ازدادت الأرض صلابة كلما اخذ منها شيئا.
وعندما انتهى سقط من التعب ، لم يجد من يواسيه سوى أنفاسه اللاهثة المتسارعة، أستجمع قواه الباقية وانتصب قائماً، توجه إلى البيت الطينى يجر قدميه من التعب.
          بدأ فصل جديد ونوع مختلف من العذاب أنه الإحساس بالوحدة والوحشة ، عندما مر بمجلس العجوز أعتصر قلبه الألم والندم سائلاً نفسه لماذا قتله؟
دفع باب الكوخ وتوجه مباشرة إلى الزير ، وأدلى بالكوز فى أعماق الزير ليغرف بعض الماء ليسكت به عطشه ، ولعله يسكن الألم ، لكن ما هذا ؟ لقد غار ماء الزير !!! وأثناء تجوال يده داخل الزير لمست شيئاً طرياً ، أخرج يده مسرعاً وإذا بحية عظيمة تتبع يده فى الخروج وتنظر إليه فى غضب بارد !!! أرتد للخلف خطوات فى ذعر !!! خطر بباله أن خازن الجحيم لم يكن ليدع أحداً يشهد ميتته دون انتقام !!! وهذا الشيطان من اتباعه أرسله لينفذ انتقامه.
قبل أن يسترسل فى افكاره مالت عليه الحية المنتصبة فلدغته فى حركة خاطفة ، وقع على الأرض وشعر بالسم يسرى فى جسده ببطأ كأنه اكسير عذاب أعد خصيصا فى الجحيم ، لقد أرسل رسوله ليستل روحى ويكمل فصول عذابى فى بعد آخر من أبعاد الجحيم.
وأثناء انسلال روحه من جسده نشطت ذاكرته ومر شريط حياته أمامه وأصبح أكثر ما يعذبه فى تلك اللحظة .. الندم !
***
وليد الحداد

أغسطس 2009

الجهة المقابلة

الجهة المقابلة


راودتني نفسي على اقتحام تلك البقعة الغامضة والتي تطل عليها شرفتي، تلك المساحة الكبيرة من الأرض .. والمسورة بحائط شاهق يزين منتصف ضلعه الموازي للشارع باب حديدي محصن، السور والباب يحجبان ما وراءهما عن المارة الغادين والرائحين، والباب نادراً ما يفتح !
لكني وحدي أستطيع من شرفتي العالية أن أرى ما وراء السياج، مزرعة واسعة، ليس من الواضح طبيعة هذه المزرعة أو نوعية النباتات المزروعة فيها، ولم يخطر في بالي من قبل أن أسأل!
فتلمست الحجج التي يمكن التذرع بها لاقتحام تلك القلعة الحصينة ، والنقطة العجيبة، والتي لا تتماشى أبداً مع البيئة المحيطة بها، فاحتمال أن تفتح شرفتك لترى مساحة خضراء في القاهرة هو احتمال ضعيف جداً.
تزامنت تلك الرغبة مع نقص الجرجير في السوق، حيث أنني من عشاقه ولا يمكنني تصور طبق السلاطة الخضراء المقدس بدونه .. فلأدخل وأسأل عنه! فطالما وجدت بقعة أرض تزرع فلابد من وجود الجرجير.
وإن لم يتوفر، لأراودن  السيد غفير المزرعة لزراعة خط أو خطين متسلحاً بحجج ما للجرجير من أسرار وقوى لا تخفى على الذكور من الكائنات، متمنيا بكل جوارحي أن يستجيب لطلبي هذا مما يضمن لي سببا مقنعاً لدوام ترددي عليه وقتما أشاء.
عرجت عليه في يوم من الأيام بعد عودتي من العمل، ومن حظي كان الباب موارباً وكأنه يدعوني للدخول:
-    سلام عليكم .. أزيك يا ريس .. كل سنة وأنت طيب، إيه يا عم الجمال ايلى انتم قاعدين فيه ده .. يا ترى زارعين جرجير ؟
أجاب السيد الغفير بعد أن ضحك ضحكة مطولة تبعتها نوبة سعال كادت تودي بأنفاسه وتصعد بروحه إلى السماء .. أجابني كأنه يستزيد ويستأنس الحديث معي على غير ما توقعت منه:
-         إن شاء الله أسبوع كده ونزرع خطين جرجير وعلى فكرة عندنا أعشاب طبية وعطرية.
ثم نظر إليَ في تأمل وريبة وكأنه يتأمل مخلوق فضائي نزل تواً من القمر، وسحب نفس عميق من سيجارته حتى تأججت شعلتها ثم سألني وهو يزفر دخانها:
-         سيادتك من سكان العمارات ايلى قدامنا دى ؟
وأشار بيده أشارة ذات مغزى غامض ناحية العمارة التي أسكنها.
 أجبت في تلقائية ممتزجة بشيء من البلاهة:
-         أيوة ليه !
لم يرد علي إنما هز رأسه وكأنما يؤكد لنفسه ظنونه.
صارت صداقة بيني وبينه منذ ذلك الحين، وألفني وألفته وكأن كل واحد منا هو صلة الآخر بزمان ومكان وحياة آخرى مختلفة غير التي يحياها، وأحيانا عندما تضج بي الحياة وضجيجها والأسرة وخلافاتها أعرج عليه لألقى السلام متحججاً بشراء بعض الزعتر والبردقوش وأعشاب أخرى يقدمها لي ولا ادري لها أسماً، ولأمتع نفسي بهذا الهدوء نادر الوجود ولأذكر أن الحياة ليست صراعات وشجارات فقط ولكن توجد أيضاً نقط محايدة تتساوى عندها جميع الأشياء، زاوية مختلفة أرى منها نفسي كما لم أرها من قبل.
ووقع في روعي أحساس غريب (قد يكون هذا هو الذي جعل راعي المزرعة ينظر لي تلك النظرة الغريبة والتي لم أستطع تفسيرها إلى الآن؟).
-         ياه هو إحنا إيلى ساكنين في الشقة ايلى شباكها هناك ده ؟
أكاد أراني من هنا .. صغيراً .. نكرة تمشي على قدمين .. أكاد أراني وأنا أتشاجر مع زوجتي وأحصي عليها كم عود جرجير وضعت في صحن السلاطة، وكم عود تخلصت منه للتهرب من عناء غسله.
هل يمكن أن تتغير نظرة الإنسان لشيء لمجرد أنه غير زاوية الرؤية ؟ وهل يمكن للإنسان أن يتغير عندما تتغير رؤيته للأشياء؟
كما اني من هذه الزاوية .. أرى مخلوقات أخرى تشبهني تلهث وتركض وتدور في دوائر مفرغة لا تؤدى بهم إلى أي شيء .. وهم يوماً بعد يوم يزيدون من سرعة دورانهم كما ولو كانوا يعتقدون أنهم في طريق مستقيم وأن وجهتهم تستدعى العجلة ويجهلون أنهم يدورون في دائرة مفرغة واحدة وما أن تسكن حركة أحدهم حتى يمتص في مركز الدائرة وكأن بها جاذبية هائلة.
نفس الوجوه في نفس التوقيت تفعل نفس الأشياء كل يوم  في رتابة بلهاء! وكـأنها سلبت الوعي والإدراك والرؤية والإرادة، أو هكذا أراها من هذه النقطة.
ومن الجهة المقابلة عندما أطل من الشرفة وألقى ببصري على هذه المزرعة لا أرى سوى السكون والركود وكأن الزمان قد توقف عند هذا المكان .. ترى هل الزمان في هذا المكان هو نفس الزمان المعرف عندنا في التقاويم والساعات والأجندات ؟ قد تكون هذه البقعة من الأرض ثقباً أسوداً هائلاً في الزمان يمتص الذكريات والساعات، منتظرة أن يتم ابتكار آلة تفك شفرة الذكريات فتبوح بما لديها وما امتصته على مر الأحقاب.
وأرى العمال قليلي العدد الذين يعملون بها وصديقي الغفير يشرف عليهم ، كأنهم ينتمون إلى شعوب عاشت في هذا المكان من قرون سحيقة وكأن العصور لم تمر عليهم ولم يمس الزمان أي منهم بأي تغيير ! ملابسهم تشبه ملابس قدماء المصريين، وحتى أصواتهم كنت لا أتبينها جيداً وكنت أخالها لغة قديمة مبهمة، وصارت لدى شكوك أن ذاك الغفير من أقرباء رمسيس الثاني المقربين حيث أن درجة الشبه بينه وبين مومياء الفرعون البائد شديدة العجب، ومما يزيد الصورة غموضاً ألا أحد يعلم ماذا يزرعون أو يحصدون.
ولا أعلم لماذا عندما يقع بصري الآن على تلك البقعة من الأرض أشعر أن الهدوء الذي تلتحف به قد امتص كل الضوضاء المحيطة بها، أشعر بالرهبة الشديدة وتسرى في جسدي قشعريرة وكأن تلك البقعة من الأرض هي مركز الدائرة التي أدور أنا فيها وتنتظر منى أن أتوقف عن الدوران حتى تمتصني بجاذبيتها إلى باطنها المجهول، وهى تعلم أنى حتماً ستنهار قواي وأتوقف عن الدوران وكلما زادت سرعة الدوران كلما دل ذلك على دنو لحظة التوقف.
صحيح أنى قد رأيت الزمان والمكان رؤية مختلفة عندما نظرت إليها من الجهة المقابلة ولكنى ما زلت أتساءل:
-         كيف يراني هو من تلك الزاوية؟
*****
وليد الحداد

يناير 2008